ابن حزم
149
المحلى
الفقير الذي لا مال له أصلا ، لان الله تعالى أخبر أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ( 1 ) ولا يجوز أن يحمل ذلك على بعض أموالهم . فان قيل : قد قال الله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) . قلنا : صدق الله تعالى ، وقد يلبس المرء في تلك البلاد إزارا ورداءا خلقين غسيلين لا يساويان درهما ، فمن رآه كذلك ظنه غنيا ، ولا يعد مالا مالا بد منه ، ومما يستر العورة ، إذا لم تكن له قيمة . وذكروا قول الشاعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك لم سبد ( 2 ) وهذا حجة عليهم ، لان من كانت حلوبته وفق عياله فهو غنى ، وإنما صار فقيرا إذا لم يترك له سبد ، وهو قولنا . والعاملون عليها : هم العمال الخارجون من عند الامام الواجبة طاعته ، وهم المصدقون ، وهم السعاة . قال أبو محمد : وقد اتفقت الأمة على أنه ليس كل من قال : أنا عامل عاملا ، وقد قال عليه السلام : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) فكل من عمل من غير أن يوليه الامام الواجبة طاعته فليس من العاملين عليها ، ولا يجزئ دفع الصدقة إليه ، وهي مظلمة ، وإلا أن يكون يضعها مواضعها ، فتجزى حينئذ ، لأنها قد وصلت إلى أهلها . وأما عامل الامام الواجبة طاعته فنحن مأمورون بدفعها إليه ، وليس علينا ما يفعل فيها ، لأنه وكيل ، كوصي اليتيم ولا فرق ، وكوكيل الموكل سواء سواء . والمؤلفة قلوبهم : هم قوم لهم قوة لا يوثق بنصيحتهم للمسلمين ، فيتألفون بأن يعطوا من الصدقات ومن خمس الخمس . والرقاب : هم الكاتبون والعتقاء ، فجائز أن يعطوا من الزكاة . وقال مالك : لا يعطى منها المكاتب . وقال غيره : يعطى منها ما يتم به كتابته .
--> ( 1 ) في النسخة رقم ( 14 ) ( واخرجوا من ديارهم ) ( 2 ) نسبه صاحب اللسان للراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو له سعاته ( ج 6 ص 367 وج 12 ص 262 ) وقال : ( يقال حلوبة فلان وفق عياله ، أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضلي فيه ، وقيل قدر ما يقوتهم ) . والسبد بفتح السين المهملة والباء الوبر ، وقيل الشعر ، وهو كناية عن المال ، يقال ماله سبد ولا لبد ، أي ماله قليل ولا كثير